أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية، ورئيس مجلس أمناء جامعة آل البيت، وعضو هيئة تحرير مجلة دراسات شرق أوسطية.
صدر قبل أسابيع كتاب "الأحزاب السياسية الأردنية: الواقع والطموح" للأستاذ الدكتور أمين مشاقبة، عضو هيئة التدريس في كلية الأمير الحسين بن عبد الله الثاني للعلوم السياسية والدراسات الدولية في الجامعة الأردنية، عن الهيئة المستقلة للانتخابات في عمّان. يحتوي الكتاب على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. وتتضمن المقدمة الهدف من الكتاب وهو عرض التيارات السياسية الأردنية من خلال دراسة الأحزاب السياسية الأردنية كما جاءت في قانون الأحزاب السياسية الأردني رقم (7) لسنة 2022. وتشمل هذه الدراسة ماهية هذه الأحزاب وأهدافها وشعاراتها وهياكلها التنظيمية وبرامجها العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأعداد المنتسبين إليها وفئاتهم العمرية وتوزيعهم على مستوى المملكة وحسب المحافظة، والأصوات التي حصلت عليها في الانتخابات التي حصلت عليها سنة 2024، وعدد ممثليها من النواب في المجلس النيابي الأردني العشرين.
وقدم مؤلف الكتاب في الفصل الأول منه عرضًا لمعنى "الحزب" عند العرب وفي معاجمهم وفي القرآن الكريم وفي المعاجم اللغوية الغربية بعامة والفرنسية منها بخاصة، ولدى المفكرين الاشتراكيين اليساريين المحدثين. وأضاف إلى هؤلاء جميعًا مفهوم الحزب في المقاربات العلمية والوظيفية والمنفعية والثنائية. وتوصل إلى تعريف الحزب بأنه منظمة سياسية طوعية لها أهداف أيديولوجية وسياسية واقتصادية واجتماعية تسعى إلى نشرها وتحقيقها والوصول إلى السلطة بالاعتماد على قاعدة جماهيرية والتأثير في الرأي العام.
وتناول المؤلف نشأة بعض الأحزاب السياسية في العالم الغربي ولاسيما في المملكة المتحدة وفرنسا وفي دول العالم الثالث التي استقلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية عن الدول الاستعمارية الغربية وخلال سنوات تصفية الاستعمار في قارتي آسيا وأفريقيا، وركز المؤلف على مكونات الحزب السياسية وهي: التنظيم، والعضوية، والأيديولوجيا. وتوسع في شرح هذه المكونات الثلاثة وبخاصة المكون الأيديولوجي للحزب. وأضاف إليه المذاهب الفردية والليبرالية والديمقراطية والاشتراكية والديموقراطية الاشتراكية.
ويحتوي الفصل الثاني من الكتاب على مراحل التحديث السياسي التي بدأت في الأردن سنة 1989، في أعقاب أحداث جنوب البلاد والأزمة المالية التي شهدتها البلاد وأدت إلى تخفيض قيمة الدينار الأردني إلى نصف قيمته المالية، وأفضت هذه الأحداث إلى انفتاح سياسي حقيقي وإجراء انتخابات حرة لأول مرة بعد خمسة وثلاثين عامًا من الأحكام العرفية وحظر النشاط الحزبي في البلاد.
وقد تجاهل مؤلف الكتاب مجرد الإشارة إلى ذلك في كتابه هذا، ولم يبيّن ما جرى من انفتاح سياسي بين سنتي 1989 و1993، وما تلا هذه السنوات من تراجع في الحياة السياسية منذ الإعداد لمعاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية والمصادقة عليها، صحيح أن المؤلف ذكر الميثاق الوطني الأردني الذي أقره مؤتمر رسمي وشعبي في 9 حزيران/ يونيو 1991 لكنّه لم يوضح الدوافع التي أدت إلى إعداده، فيما أشار المؤلف إلى قانون الأحزاب السياسية الأردني الصادر سنة 1992.
وقسّم المؤلف مراحل التحديث السياسي الأردني إلى أربع مراحل تبدأ المرحلة الأولى بسنة 1989 وتنتهي بسنة 1999 وتشمل السنوات العشر الأخيرة من حكم الملك حسين. وتبدأ المرحلة الثانية ببداية حكم الملك عبد الله الثاني بن الحسين وتنتهي بالسنة العاشرة من حكمه. وشهدت هذه المرحلة تعديل قانون الأحزاب بزيادة عدد مؤسسي الحزب من (50) عضوًا إلى (500) عضو، وإنشاء وزارة التنمية السياسية سنة 2003، وأدخل مبدأ الكوتا النسائية في قانون الانتخاب لسنة 2002 وزيادة عدد المقاعد المخصصة للمرأة. وصدر نظام المساهمة في تمويل الأحزاب السياسية عام 2008 (خمسين ألف دينار لكل حزب مرخص). وصدر في هذه المرحلة قانون النزاهة ومكافحة الفساد سنة 2006 وقانون ديوان المظالم سنة 2008 وبدأ عمله سنة 2009.
وتبدأ المرحلة الثالثة من التحديث السياسي سنة 2011 وتنتهي سنة 2021. وتم في هذه المرحلة دمج قانون النزاهة ومكافحة الفساد وقانون ديوان المظالم سنة 2016، وأجري عليه تعديلات سنة 2019.
أما المرحلة الرابعة فتبدأ بسنة 2021 وتنتهي بصدور قانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022. وقد شرح المؤلف بالتفصيل هذا القانون الذي اعتمد التمثيل النسبي على المستوى الوطني والمستوى المحلي. وخصص للمرأة (18) مقعدًا، وللمسيحيين (7) مقاعد، ومقعدين للشركس والشيشان، وامتدح المؤلف هذا القانون لأنه في نظره يمكّن الأحزاب من الوصول إلى تشكيل حكومات برلمانية حزبية أو المشاركة فيها، وتوسيع تمثيل الأحزاب للمجتمع الأردني عبر تحفيز المواطنين والمواطنات على تشكيل أحزاب سياسية برامجية والمشاركة فيها بحرية وفاعلية، وتعزيز الدور السياسي للمرأة والشباب في تأهيل مهمة الأحزاب السياسية بتزويدها بالقيادات السياسية الكفؤة وخاصة الشابة منها القادرة على التعامل مع التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتولي المناصب الحكومية، وتمكين الأحزاب من المشاركة في الانتخابات بمختلف أنواعها من خلال تجويد برامجها واستقطاب الناخبين والمؤيدين لها، والانخراط في قضايا الشأن العام.
ولكن المؤلف يعود إلى نقض هذه المزايا التي أثنى عليها في الصفحتين (72 و73) بقوله: "تعود أسباب تدني مشاركة المرأة في الأحزاب إلى عوامل عدة أهمها: القيود الاجتماعية والثقافية في المجتمع الأردني، وعدم الاستقلالية المالية للمرأة، وتدني أجورها، وعدم دعم الأحزاب لها وقلة الوعي السياسي لديها بحقوقها السياسية، والتاريخ الطويل من التهميش السياسي لها، وصعوبة المنافسة التي تواجهها في الانتخابات لعدم وجود دعم كاف لها من الأحزاب والمجتمع"، علماً بأنّ كل مجالس النواب منذ عام 1989 شهدت وجود المرأة فيها.
يصنّف المؤلف التيارات السياسية للأحزاب السياسية الأردنية في أربع تيارات هي: التيار القومي، والتيار اليساري، والتيار الإسلامي، والتيار المحافظ (الوسطي). ويبدأ بعرض الأحزاب الوسطية المحافظة التي يبلغ عددها (27) حزبًا. ويذكر عن كل حزب اسم الأمين العام له، وعدد أعضائه من الرجال والنساء والشباب والشابات، والهيكل التنظيمي للحزب، وأهداف الحزب ورسالته ورؤيته السياسية. ولا يحلل المؤلف القواعد الشعبية والعشائرية لكل حزب التي تعبر عن قوته الانتخابية والتحالفات العشائرية داخل كل حزب.
أما الأحزاب الدينية الأردنية في تصنيف المؤلف فتشمل ثلاثة أحزاب هي: الحزب الوطني الإسلامي، وحزب جبهة العمل الإسلامي، وحزب الشورى الأردني، وأما الأحزاب القومية واليسارية فهي تسعة أحزاب، ويتجاهل المؤلف القواعد الشعبية والفئات الاجتماعية التي تدعم الأحزاب الدينية والأحزاب القومية واليسارية، علماً أن المؤلّف عرض نتائج الانتخابات الأخيرة عام 2024 التي أظهرت تقدّم حزب جبهة العمل الإسلامي على جميع الأحزاب الأخرى من الأصناف الثلاثة.
وفي الفصل الرابع من الكتاب يعود المؤلف إلى بيان دور الأحزاب السياسية بوجه عام في التعبير عن مصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها ويفترض أن على الأحزاب السياسية الأردنية أن تقوم بها وهي: تجميع مصالح الشرائح الاجتماعية المختلفة ومطالبها وإيصالها إلى وحدات القرار في النظام، والتجنيد السياسي وتخريج القيادات السياسية، وربط المواطن بالدولة، والتنشئة السياسية، والمساهمة في بناء الثقافة السياسية، وبناء التكامل الاجتماعي الوطني، وتقديم البرامج السياسية والإسهام في تكوين الرأي العام.
وعلى صعيد المشاركة السياسية في صنع القرار، يبين المؤلف أنواع المشاركة السياسية ومستوياتها، ويوضح تراجع المشاركة للأحزاب السياسية الأردنية بين سنتي 1989 و2024 من 61.7% إلى 32.25%. ويعزو هذا التراجع إلى العزوف في المدن الكبرى مثل عمّان والزرقاء (وهي الاكثر كثافة سكانية)، وإلى اتساع الفجوة بين المؤسسات والمواطن، وضعف الأداء للمجالس النيابية، وتراجع الثقافة السياسية، وغياب المسؤولية المجتمعية.
وفي خاتمة الكتاب يشير المؤلف إلى عناصر الضعف في الأحزاب السياسية الأردنية والحياة الحزبية الأردنية. ومنها ضعف الأيديولوجيا السياسية لدى هذه الأحزاب، وغياب البرامج السياسية التي تتضمن حلولًا للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لدى اغلب هذه الاحزاب، وضعف انتشار التنظيم، وانعدام المؤسسية في أغلبها، وضعف المشاركة السياسية لهذه الأحزاب وضعف دورها في التنشئة السياسية، وضعف دورها في التأهيل السياسي للمواطنين وغياب التوعية والحوار في هذه الأحزاب حول القضايا العامة، وندرة وجود المناضلين في أغلب الأحزاب السياسية الأردنية المدافعين عن الحزب والساعين إلى كسب تأييد الجماهير له.
وخلاصة القول إن كتاب "الأحزاب السياسية الأردنية: الواقع والطموح" جدير بالقراءة والاقتناء لما يحويه من معلومات شاملة عن الأحزاب السياسية الأردنية والحياة السياسية الحزبية.
الكلمات المفتاحية: --