The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



البحوث والدراسات

الحروب الأهلية العربية ومستقبل الدولة الوطنية

مفيد الزيدي


لم تكن الحروب الأهلية العربية وليدة اللحظة التاريخية بل أنها تعود إلى عقود سابقة عرفت فيها بعض الدول العربية حالة من عدم الاستقرار الداخلي نتيجة النزاعات المسلحة التي تغذيها (في غالب الأحيان) أطراف إقليمية أو دولية مما يدفع إلى تفاقم الأزمات الداخلية والحروب الأهلية وتحولها إلى صدام بين قوى محلية متصارعة ومسلحة تستخدم أداة العنف كوسيلة لأغراض سياسية أو أيديولوجية مما تؤدي إلى التأجيج الطائفي والمذهبي والعرقي، وإذكاء الفوضى ونشوء الكيانات الضعيفة التي تعتمد على الدعم الخارجي، فضلاً عن توافقها مع ظاهرة نشوء جماعات مسلحة كأذرع لقوى سياسية بازغة من رحم تداعيات الحروب الأهلية والطائفية.

وقد شهدت مرحلة بعد نشوب الثورات العربية أو ما تسمى بالربيع العربي عام 2011 استمرار وتفاقم ملحوظ لظاهرة الحروب الأهلية بأشكال أثنية ومذهبية وقبلية كما يحصل في عدة دول عربية في العراق وبعدها سورية وليبيا واليمن، إلى جانب العنف والإرهاب الذي يضرب دول عربية أخرى من حين إلى آخر مثل (مصر وتونس والكويت والسعودية)، مع تزايد المطالبات النخبوية والشعبية لإعادة تنظيم الدول على أساس فيدرالي أو حكم ذاتي في ظل تراجع التحولات الديمقراطية التي كانت من المفترض أن تحصل بعد الثورات العربية نتيجة الأزمات الداخلية، واستمرار ظاهرة التدخلات الإقليمية والدولية في الشؤون العربية الداخلية.

إن هدف هذا البحث معرفة مفهوم الحرب الأهلية كمدخل موضوعي، ثم عوامل وظروف نشوء الحروب الأهلية وتأثيراتها في الدول العربية بعد عام 2011، والتداعيات على مستقبل الدول الوطنية العربية.

إن الفرضية التي يطرحها هذا البحث تقوم على فكرة أن الصراعات والحروب الأهلية والطائفية والمذهبية تؤدي إلى حالة الانقسام والتفكك في الواقع العربي وتأثيره في مستقبل الدولة الوطنية، وتعميق الفجوة بين المكونات الاجتماعية والدينية،وتقسيم الدول العربية إلى كيانات محلية مجزاة ومتصارعة فيما بينها.

وإن خيار العرب اليوم هو في نشوء نظام عربي جديد دون منطق القوة أو العنف أو الطائفية السياسية،والحاجة إلى (عقد اجتماعي عربي) بين الدولة والمجتمع في إعادة تشكيل الثقافة السياسية العربية التي تؤمن بالشرعية الدستورية والمشاركة السياسية،والفهم الحقيقي لتدول السلطة السلمي، والآليات الديمقراطية النابعة من الإرث والتقاليد العربية وليس بالضرورة من النموذج الغربي، تلك مقومات الحفاظ على الدولة العربية الوطنية، وضمان عدم تقسيم الوطن العربي على قاعدة تقسيم المقسم، أو تفتيت المفتت.

وقد لا يكون هنالك مفر أمام العرب للخلاص من الحروب الأهلية والصراعات الداخلية دون اعتماد بناء عقد اجتماعي/ سياسي ينظم طبيعة العلاقة بين القوى الاجتماعية والدينية والمثقفة كافة، وأن تسود ثقافة سياسية جديدة تتبنى السلم بدل العنف، ثقافة احترام الآخر، والتنوع الاجتماعي، ونبذ الكراهية والتهميش، وخلق قاعدة لتوسيع المشاركة السياسية وهي بالتأكيد ستوفر الأرضية المناسبة لبناء الدولة ومؤسساتها، ونشر السلم الأهلي وبناء الاقتصاد على أسس التنمية الصحيحة.

عودة