The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



البحوث والدراسات

الأيديولوجيا والسوسيولوجيا.. جدل النص والواقع في عصر الصراع الهوياتي

عبد الغني عماد


أصبح من المسلم به في الدراسات السوسيولوجية أن التيارات الدينية المتشددة وذات الطابع الهوياتي في العالم، لا تهبط علينا من كوكب آخر، بل هي نبت موضوعي لوقائع ومتغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية، يتزامن صعودها وظهورها مع تحديات تهدد منظومة القيم وثوابت الموروث الثقافي والتي غالباً ما ينتج عنها "أزمة هوية" واختلالات تطال مجمل البنى ومنظومة قيمها.

تريد هذه المقاربة أن تقول أن فهم أسباب صعود التيارات الدينية السياسية المعاصرة لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره تعريفاً للذات وتوصيفاً للهوية، ولكن بصفتها آلية دفاعية في مواجهة العولمة وتحديات الحداثة والتغريب، بما يعنيه ذلك من منظومة قيم وسلوكيات تقتحم المجتمعات التقليدية، لذلك يبدو من السذاجة التعامل معها "أمنياً" باعتبارها ظواهر إرهابية "محضة"، أو باعتبارها مشاريع لكتل عنف وإرهاب مسلح "صماء"، بدون أي تمييز بين حركات ممانعة للتغريب أو مقاومة مشروعة للاحتلال وتيارات دعوية وسياسية سلمية للحفاظ على التراث والعقيدة والشخصية، واتجاهات جهادية عنيفة تعتبر المجتمع المعاصر ضلال مبين.

الفرضية الأساسية التي تناقشها هذه الدراسة تقوم على اعتبار جماعات العنف والتشدد والتطرف الديني والمذهبي بكل تياراتها، تتغذى من السوسيولوجيا قبل الأيديولوجيا، وهي إن وظفت الموروث الديني، كرأسمال رمزي بما يحمل من فائض قيمة تاريخي وقيمي، إلا أن هذا الموروث لن يكتسب طاقة وحركة وحيوية، بل وضجيج وفعالية، ولن يتحول إلى أيديولوجيا، إلا في إطار اجتماعي- سياسي معاش.

وخلصت الدراسة إلى أن العامل السوسيولوجي يتقدم على العامل الأيديولوجي أو على الأقل يتلازم معه في أية مقاربة جادة وموضوعية لمواجهة وحش التطرف والتشدد الطائفي والمذهبي وهوياتها المتنامية حولنا. وإن لم يتم الاقتناع بأن التعامل مع البيئة الحاضنة ومع المدخلات والمسببات، يتقدم على التعامل مع المخرجات والمحصلات، فإن مشكلة العنف السياسي سوف تبقى وتتفاقم. فالمواجهة سياسية وتنموية، قبل أن تكون أمنية فقط، دون أن نقلل من أهمية البعد الثقافي والفكري المساعد في هذا المجال، وتتمثل في ترسيخ قيم الديمقراطية وثقافة التعددية والمساءلة والمحاسبة، وقيم المواطنة ودولة القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية. أما الدولة التسلطية، فهي الحاضنة والمولّدة للفساد والتخلف والتطرف، وجالبة لكل أنواع التدخلات الأجنبية.

عودة