العدد 26

المحتويات

 

المقـال الافتتاحـي

# هيئة التحرير

    أزمة العرب والنظام الدولي.. الاستبعاد والاستفراد

 

البحوث والدراسات

# حسن عبدالقادر

تحولات الجغرافييا السياسية في الشرق الأوسط مطلع القرن (21)

# غالي داود

أثر التكنولوجيا على موقع الوطن العربي في تقسيم العمل الدولي

# علي البلاونة مستقبل الاحتلال في ظل التطورات السياسية والأمنية في العراق
  التقارير والمقالات
# محمد شريف الجيوسي

الحكومة الأردنية الجديدة.. الآفاق والتحديات

# عبيدة فارس

الجدار الفاصل.. سياسة عنصرية إسرائيلية مستمرة

# محمد عبدان

الاتفاق السوداني.. هل يكون نهاية مشكلة الجنوب

# برهومة

الفكر العربي المعاصر تحت المراجعة

# إبراهيم عوض

قراءة في تقرير الحريات الدينية الأمريكي في العالم للعام 2003

  ملف العدد
  وثيقة جنيف ومستقبل القضية الفلسطينية / 1  - 2  -3  -4
  مراجـــــعات
# هيئة التحرير  الإسلام السياسي، مراجعة للأدبيات
  بيبلوغرافــــيا
 

 

 

إلى الأعلى


 

المقال الافتتاحي أزمة العرب والنظام الدولي.. الاستبعاد والاستفراد

تواجه العلاقات العربية أزمة مع النظام الدولي بزعامة الولايات المتحدة منذ مطلع التسعينيات على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية بل والثقافية، وقد تبلورت صورة نمطية في العلاقة لم تسلم منها دول أوربا الغربية التي طالما اعتبرها العرب أكثر تفهّما لقضاياهم بعد انتهاء فترة الاستعمار القديم، ولكن الأزمة الحالية في هذه العلاقة تؤكد مسئولية الجانب الغربي ، الأميركي والأوروبي ، عن تدهور هذه العلاقات إلى حد الأزمة.

وبرغم استمرار العلاقات السياسية والاقتصادية الغربية وحتى العسكرية بين العالم العربي والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي، غير أن هذه العلاقات تمر بأزمة خطيرة، ولذلك لا تعدّ -وفق المقياس العلمي للعلاقات الدولية- علاقات مستقرّة وعميقة، لأنها لا تقوم على تبادل حقيقي للمصالح المشتركة، بل يصل بها الانحسار إلى حدّ تحقيق المصالح الغربية على حساب المصالح العربية، بالإضافة إلى  فرض أجواء من الرهبة والتهديد والوعيد والمقاطعة والحصار على  الجانب العربي إذا ما حاول تحقيق مصالحه، أو حاول بناء علاقات متوازنة مع المنظومة الدولية الحاكمة بزعامة الولايات المتّحدة. وكان العرب يجدون بعض المتنفّس في العلاقات مع دول الاتحاد الأوربي، غير أن تطوّر العلاقات مع أوروبا في بعض مراحلها  الزمنية لم يُسعف المصالح  والقضايا العربية.

من جهة أخرى فقد نجح اليمين المحافظ والمتحالف مع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وأوربا باستغلال بعض الأحداث للتحريض على  العرب بكل الوسائل، حيث استخدم البرامج السياسية والإعلامية والثقافية، كما استند إلى تحليل متحيّز ظالم، ومعلومات وتقارير مزوّرة، أو على الأقل غير دقيقة، في تحقيق هذه الغاية، وذلك في ظل غياب موقف  عربي مؤثّر على صناعة القرار السياسي الغربي.

وتواجه أزمة العلاقات العربية مع قيادة النظام الدولي بطبيعة الحال أزمة ثقافية أيديولوجية تتعلّق بتعامل الغرب ككل مع الإسلام والفكر الإسلامي، والتعليم الإسلامي والحكم الإسلامي والجهاد الإسلامي، بوصف الإسلام هوية الأمة العربية وعقيدتها وفكرها ومستندها الاجتماعي والثقافي، وهو ما عمَّق الأزمة في العلاقات بشكل عام وشكَّل خطراً على مستقبل العلاقات العربية مع الغرب بشكل عام، وأنشأ جواً مهيأ لمزيد من التطرّف والإرهاب الفكري ضد المسلمين كجاليات في الغرب من جهة، وكدول وشعوب وثقافة على صعيد العلاقات الدولية من جهة أخرى، برغم أن الغرب يقنع نفسه بتبريرات متعدّدة تستند إلى ممارسات إما غير معبّرة عن روح الدين والأمة، أو أنها غير مفهومة لديه بسبب الاختلاف الثقافي، أو أنها غير صحيحة أو غير دقيقة وهو الحال الأكثر شيوعاً كما رصدنا على مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية، والتي يتحمّل الإعلام والتعليم والسياسيون الغربييون المسؤولية الكبرى تجاهها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بواكير هذه الأزمة ومظاهرها لم تبدأ منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 كما يحلو للإعلاميين والسياسيين الأمريكيين شرحها وتأريخها، بل تشكّلت منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987، وتفاقمت مع الحرب الأمريكية على العراق عام 1990، وخاصة بعد دحر قواته من الكويت، وتطبيق الحصار الشامل على الشعب العراقي ثمّ احتلاله.

لقد أدّت هذه الأزمة إلى خلق جوٍ من عدم الثقة بين الطرفين، وبلورت سياسات دولية غير منصفة بحق العرب والمسلمين، ودأبت تشكل رؤية غربية قاصرة للأسلوب الصحيح في التعامل مع المنطقة العربية والعالم الإسلامي، لتضع العرب والمسلمين في دائرة هدف الحرب على "الإرهاب"، ولتتدخّل في فرض قيمها ومفاهيمها الخاصة على المجتمعات العربية بحجج مختلفة، ولتمارس دولة النظام الدولي الكبرى برامج الاستبعاد والتهميش بل والاستفراد بحق الدول العربية والإسلامية من جهة، ولتفرض الأجواء البوليسية على الجاليات المسلمة في الغرب من جهة أخرى، معمّقة بذلك هذه الأزمة، ومشكّكة في إمكان تجاوزها، حيث تعمل الآلة الإعلامية الغربية، وعلى الأخص الأمريكية منها، على خدمة استمرار وتصعيد هذه الأزمة، وتكريس الانقسام بين المجتمعات العربية والإسلامية من جهة والمجتمعات الغربية من جهة أخرى، وترفض تعديل السياسات لصالح التعاون على المصالح المشتركة والاعتراف بمصالح الآخر واهتماماته وقضاياه، كما ترفض مبدأ الحوار والتفاهم إلاّ وفق مفاهيم وتعريفات وأسس تضعها وفق مصالحها وثقافتها ومعلوماتها التي كثيراً ما تتّسم بعدم الدّقة، بل وعدم الصحة في كثير من الأحيان عن واقع المسلمين من جهة، وعن الفكر والدين الإسلامي من جهة أخرى، ناهيك عن توجهات الحركة الإسلامية وعلى الأخص المتعلّقة بالعمل السياسي منها.

غير أن ثمّة جهود لوحظت من قبل المؤسسات والشخصيات والمفكرين الغربيين الذين استشعروا خطورة هذه الأزمة على العلاقات الدولية استراتيجياً، والذين يسعون إلى بناء جسور الثقة التي دمرتها الآلة العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق، والممارسات الإرهابية الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، والتشريعات والممارسات الأمنية بحقّ الجاليات المسلمة في الغرب. غير أن هذه الجهود تتباين في منطلقاتها وأدواتها بين ترويج الموقف الغربي القائم اليوم وتبريراته، وبين السعي لتفهم حقيقة وجوانب قضايا  الأمة وثقافتها، وبيّن استطلاع واقع المجتمعات العربية وتوجهاتها لمصلحة دعم المصالح الغربية على قاعدة تحقيق الأمن القومي لأمريكا وأوربا، فيم تتبلور جهود متميّزة من بين كل هذه الجهود تعمل على قاعدة إعادة بناء العلاقات العربية-الغربية على أسس عادلة ومصالح مشتركة والاعتراف بمصالح الآخر، والتي لا يكفي بالضرورة أن تستند إلى النية الحسنة لإنجاح جهودها، حيث يعتقد أن تشخيص الأزمة وأسبابها، وإدراك المتغيرات التي سبقتها والتي بلورتها، هو السبيل الأنجع للبحث عن المخارج الصحيحة للخروج من هذه الأزمة إلى دائرة الثقة أو التعاون على أقل تقدير.

وتتبلور أهم أسباب تفاقم هذه الأزمة ابتداءً والممارسات اللاحقة لها في جملة من العوامل التي كانت وراء الإشكالية في العلاقات أصلاً، والتي لا زال بعضها يحكم الإعلام والسياسة والتعليم الغربي بكل أسف، وأهم هذه الأسباب والعوامل التي يُفترض معالجتها:

1-  غياب الأدبيات والتقارير والمعلومات العربية الصادقة والدقيقة عن صُنّاع السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، حيث أنها تعتمد على مصادر ثلاثة رئيسة:

  • بعض المستفيدين من الواقع في المنطقة.

  • معلومات إسرائيلية.

  • بعض الدراسات الغربية التي يزعم كتابها أنهم خبراء في شئون الشرق الأوسط.

2-  نجاح الضغط السياسي والإعلامي والاقتصادي والعسكري الأمريكي بفرض أحداث 11 سبتمبر 2001 ونتائجها كإطار ناظم للعلاقات الدولية وعلاقات الولايات المتحدة مع الآخر العربي والمسلم.

3-  جهود الإعلام الغربي على وجه الإجمال وخاصة الأمريكي منه في إيجاد عزلة نفسية وفكرية وربما شعورية بين الشعوب الغربية وخاصة الشعب الأمريكي والعرب من جهة، والإسلام من جهة أخرى، وعلى الأخص في ظل التوجهات الحالية للإدارة الأمريكية التي تعتمد في قيادتها للعالم على فلسفة يمينية محافظة.

4-  الشعور الأمريكي الخاص بالتفرّد بقيادة العالم، وحرصها على تهميش دور المحاور الإقليمية المهمة مثل العالم العربي، في رسم سياساتها تجاه العالم وتجاه منطقة الشرق الأوسط.

5-  الاحتضان الكامل لإسرائيل، ومنع اتخاذ العقوبات التي تنصّ عليها القوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة، برغم كل ممارساتها وغير الإنسانية بل والإرهابية بحقّ الشعب الفلسطيني، لدرجة منع تشكيل لجان تُحقق في المجازر والمذابح التي ترتكبها سلطات الاحتلال الإسرائيلي والتي وثقتها الكاميرات الإسرائيلية والغربية كما العربية، وكذلك جهود منع محكمة العدل الدولية من تقديم رأي استشاري مستقل وعادل بناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك حول قانونية جدار الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل في الأراضي المحتلة، علماً بأنه يُمثّل جريمة حرب حسب المادة (8) من قانون المحكمة الجنائية الدولية، ويخرق المادة (46) من ميثاق جنيف لحقوق المدنيين تحت الاحتلال.

6-  وجود مجموعات مغلقة من المنتفعين والذين لا يُمثّلون شعوب المنطقة بل ولا أنظمتها أحياناً، ارتضتها الجهات الغربية وخاصة الأمريكية منها شريكاً لها في المنطقة، وتستخدمها عند اللزوم للضغط على الحكومات العربية ومؤسسات المجتمع المدني فيها لتحقيق بعض الأغراض والمصالح الخاصة والمؤقّتة.

7-  اتباع سياسة الطلبات والإملاءات بلا حوار على الجانب العربي، واعتبارها مطالب تستوجبها السياسة الخارجية الأمريكية، وتُطالب بتنفيذها بخصوص عدد من المسائل المتعلّقة بمناهج التعليم والتغيير الثقافي والفكري، والإصلاح السياسي والاقتصادي، إضافة إلى المطالبة بتحقيق الأمن الإسرائيلي ولو بإجراءات تخلق عدم الاستقرار في الدول أو في المنطقة بشكل عام.

وغيرها من الأسباب الأساسية أو الفرعية التي يُمكن حصرها بدراسة علمية متأنية في حال خلصت النوايا وكانت هذه الجهود مثابرة وفاعلة ومؤثّرة.

وعلى صعيد أبرز السياسات أو التوجهات أو البرامج التي يُمكن أن تُسهم في نزع فتيل هذه الأزمة الخطيرة، يُمكن اقتراح ما يلي:

1.   اعتماد سياسة ولغة المصالح المشتركة أو المتبادلة، أو الاعتراف بمصالح الآخر.

2. احترام المكوّن الديني والثقافي للآخر، وعدم التدخّل في التعليم المتعلّق به.

3..  توسيع دائرة مصادر المعلومات لصنّاع القرار لتشمل المعلومات العربية من مراكز الأبحاث والخبراء والأكاديميين والدول ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة.

4.   اعتماد سياسة المشاركة الإقليمية والدولية في تشكيل النظام الدولي وسياساته بدلاً من سياسة الاستفراد والهيمنة والتهميش.

5.  قبول المتغيرات الاجتماعية في المنطقة كما هي بوصفها خاصة بمجتمعات العرب والمسلمين، والتعامل معها على هذا الأساس، مع تجنّب سياسة فرض القيم والمفاهيم والاجتماعية والثقافية.

6.  تغليب الانفتاح الثقافي والاقتصادي والتعاون السياسي على حساب العامل الأمني وما يُسمّى بالحرب على "الإرهاب"، والذي بات يُشكّل مظلّة سوداء قاتمة فوق المجتمعات الغربية تضرّ بمصالحها تماماً كما تضرّ بالمصالح العربية والإسلامية.

7.  وقف أي إجراءات أو سياسات تمييزية تجاه الإسلام والجاليات المسلمة في أوروبا وأميركا على صعيد التعليم والإعلام، والعمل على التعايش مع الجاليات المسلمة وفق نظرية التعددية الثقافية والاجتماعية والسياسية بحقوق وواجبات متساوية.

8.  فتح المجال الواسع لتفعيل التبادل الثقافي والتجاري وحركة العمالة ورأس المال بين الطرفين بعيداً عن القوانين التمييزيّة المعيقة، دون الخوف من التعدّدية المتبادلة، أو الخوف على مسيحيّة الغرب.

إنشاء منتدى دائم للحوار العربي-الأوروبي-الأمريكي يقوم على هذه الأسس والقواعد ويروّجها في كل المجتمعات الدول المعنية، بعضوية مؤسسات ومراكز بحث معتبرة.

 

إلى الأعلى




مراجـــــعات

الإسلام السياسي، مراجعة للأدبيات

بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، سرعان ما أغرقت العالم كتب حول العلاقة بين الإسلام والغرب، وفجأة شعر الكتّاب ومستطلعو الآراء وكتبة الأعمدة والصحفيون والباحثون والأكاديميون، أنّ الناس في البلدان الغربية يريدون المعرفة والقراءة عن الإسلام وعما يفكر المسلمون فيه.

وقد ذكرتُ الأكاديميين في آخر القائمة لأن قدراً كبيراً مما كتب كان ينحو إلى المعالجة المثيرة لهذا الموضوع، ينظر إلى الإسلام كدين يتاجر بالحروب، ولكن قدراً كبيراً من الكتابات كان ذا طبيعة جادة. وركّزت بعض الكتب على العلاقة بين الإسلام والغرب، بينما ناقشت كتب أخرى ما قيل من خرافة وحقيقة عن الحركات الإسلامية المعاصرة، وعن الإسلام في العصر الرقمي، وإعادة التفكير في الإسلام في العالم المعاصر، وأهمية الثقافة والعقيدة الإسلامية. ويُظهر تنوّع العناوين أن بعضها كان يعيد حقاً تقويم الآراء الماضية ويحاول الخروج بتحليل ذي معنى.

وعلى الرغم من حقيقة أن إدارة بوش كانت تركز على جلب الديمقراطية للعالم العربي، أو على الأقل هذا هو ما كان يقوله بوش بعد الحرب على العراق وأفغانستان، ركّز القليل من الكتب على هذا المظهر من السياسات الإسلامية، غير أن بعضها تناول فعلاً هذا الجانب، مثل كتاب ((الإسلام وتحدي الديمقراطية)) لمؤلفه خالد أبو الفضل، الذي عالج الضغوط التي تواجه المسلمين اليوم.

وهذا الجانب هو الذي عولج من خلال ما سُمّي بالنهضة الإسلامية والأصولية الإسلامية، والسياسات الإسلامية، والإسلام في العلاقات الدولية. وقد أصبح بعض الكتّاب متمكنين من الموضوع بشكل جيّد وإلى درجة سهلت عليهم تأليف عدة كتب حول الموضوع، ومن أولهم بيتر ماندفيل (Peter Mandaville)، فقد ألف كتابه "سياسات المسلمين المتخطية للحدود القومية"، وأردفه بكتاب ثانٍ بعنوان: "الإسلام السياسي العالمي، العلاقات الدولية للعالم الإسلامي"، الذي من المقرر أن يُنشر في منتصف عام 2007.

ويناقش هذا الكتاب ما يسميه الإسلام السياسي في أبعاده الدولية، مركزاً على علاقة معقدة وسلسة بين الإسلام السياسي والقومية والعولمة، بينما يقلل من أهمية نظرية التسعينات حول صراع الحضارات.

ولكن يبدو أن الكاتب يؤسس لموضوع عندما يتحدث عن القاعدة كشبكة تتعدى الحدود القومية في العلاقات الدولية، شبكة يرجح أن تؤثر على وجهة العلاقات في المنطقة، غير أن الكتاب موجّه بشكل واضح إلى دارسي نظرية العلاقات الدولية الذين ينشدون فهمَ التفاعلات بين مختلف اللاعبين العالميين في النظام الدولي.

ويلي هذا الكتاب، إصدار آخر يحاول فهم نظريات التغير في الإسلام كما تستخلصها التفسيرات المختلفة للجهاد، ولذلك نرى كتاب "العدو البعيد: لماذا امتد الجهاد عالمياً"، لمؤلفه فواز جرجس، (مطبعة جامعة أكسفورد، 2005)، يدرس هذا الموضوع بالتحديد، ويرى أن المفهوم تروج له القاعدة وتمارسه، باعتباره وجهة نظر أقلية من المسلمين.

يقول جرجس بأن جهادي التيار السائد يركزون على البعد الداخلي لتغيير العالم الإسلامي من الداخل، ويتبنون نظرةً قومية في تحقيق الإصلاح السياسي. ويتناقض هذا التوجه مع الآراء التي تعتنقها منظمات مثل القاعدة التي تتبنى فلسفة مختلفة في ضرب قلب النظام الدولي.

ويقول الناقدون إن هذا الكتاب واضح يستقصي الأساليب التي يستخدمها الجهاديون في مسعًى لنيل السلطة والزهو بجمهورهم ورفع شأنهم، لكن المؤلف يثير تساؤلات مختلفة، مثل: هل يستطيع الجهاديون البقاء إذا تمسكوا بالأساليب العنيفة كالتي تستخدمها القاعدة؟

لقد جرى استقصاء قضية السياسات المتخطية للحدود القومية في الإسلام من نواح وزوايا مختلفة، وفي مرات عديدة، رأى باحثون أن المظهر المحلي للنزعة الإسلامية يتجاوز البعد الخارجي. ويعتبر مفهوم الدولة والأيديولوجية والقومية والمجتمع المدني وحتى التقوى والإصلاح الإسلامي بمثابة مُدخلات في التحليل حول الإسلام والسلوك السياسي للمسلمين والقادة الإسلاميين والسياسيين، فضلاً عن الناشطين؛ ويقال إن هذه العوامل تستخدمها السياسات الإسلامية وهي بالتالي تتأثر بها.

وكانت هناك مزاعم بأن هذه الأفكار والمعتقدات العملية تتبدى في طرق مختلفة عند معالجة مفاهيم الإسلام على المستويات الدولية وتخطي الحدود القومية لتنتج أراءً وتحليلات ممتعة عقلياً، وبينما يمكن أن تظهر قضايا مثل الإرهاب والعنف والتهديد في أدبيات معينة، أصبح هذا الاتجاه أقل بروزاً.

وفي كتاب فرانسيس بورغات: "وجهاً لوجه مع الإسلام السياسي" (2003)، يبدو البعد أكثر دقة، تقول بورغان، الأكاديمية الفرنسية: إن من التبسيط الشديد القول إن الإسلام ينكر الديمقراطية، وأنه غير متسامح مع الآخر، لأن ذلك بعيد عن الحقيقة. وتقول بورغان: إن الإسلام يسعى للتعبير عن ذاتيته في نظام دولي تهيمن عليه الدول الغربية والأيديولوجية الغربية.

من هذا المنظور يسعى الإسلام السياسي لإعادة تأكيد أصالته في النظام العالمي الذي تهيمن عليه قوى خارجية، من ناحية، ويخضع للسيطرة الداخلية من نظام الدولة، من ناحية أخرى، وهي السيطرة المدعومة من الغرب، كما ترى المؤلفة.

ولكن تحليلها يمضي لأبعد من ذلك عندما تقول إن الإسلاميين ربما لا يعترفون بعالمية الحقوق الديمقراطية بسبب حقيقة أنهم ربما لم يمارسوا قط هذه الحقوق هم أنفسهم، ويعود ذلك إلى طبيعة الحكم السياسي الذي يكبت المعارضة والنظام متعدد الأحزاب والفكر الحرّ.

ويرى هذا الكتاب _الذي وصف بأنه من أفضل التحليلات حول الإسلام_ بأن الدين، من ناحية، يسعى لاستعادة ثقافته التي هيْمَنَ عليها الاستعمار، وأنه من ناحية أخرى، وسيلة للتحرير، لا للأصولية. وهي تدرس بالتفصيل النظرة الإسلامية للحداثة وتفاعله معها، ونظرته للمرأة وقضايا العنف.

وفي تعارض مع هذا التحليل، يقوم كل من راي تاكيه ونيكولاس غفوسديف تفسيراً مختلفاً للإسلام السياسي. ففي كتابهما "انحسار ظل النبي: صعود وسقوط الإسلام السياسي المتطرف" (2004)، يرسم الكتاب صورة قاتمة لمستقبل الحركات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، قائلاً إنها فشلت بشكل تعيس لأنها عجزت عن إنتاج نموذج عملي للحكم في دولة قومية.

ويذكر المؤلفان أن ما يسمونه "الإسلام المتشدد" هو أكثر مهارة في التحطيم بدلاً من الخلق والإبداع، وأنه ينجح في إثارة التمرد وتوجيه الاضطرابات بدلاً من بناء مجتمعات مستقرة متوازنة.

لكن الكثيرين يرون بأن هذا المنحى تفسير شديد التبسيط للإسلام، ومن الأمثلة الواضحة لذلك الثورة الإيرانية عام 1978 وإقامة حكومة إسلامية مبنية على التمثيل القوي، التي حكمت إيران من خلال الانتخابات والبرلمان.

والمثال الثاني لذلك هو حماس، عندما شاركت لأول مرة في انتخابات 2006 للبرلمان الفلسطيني ونالت غالبية المقاعد فيه. ومن الواضح أن تجربة حماس تدحض آراء تاكيه وغفوسديف بسبب حجم شعبية الإسلام السياسي عند الجماهير التي سئمت سياسات التيار السائد الذين لم يفوا بوعودهم.

في كل من فلسطين وإيران، بنى الإسلاميون على مدى الثمانينات والتسعينات مؤسسات شعبية، ومدوا أيديهم للجماهير والفقراء والمعوزين وللطبقات الوسطى لكسب الدعم لآرائهم حول الإسلام السياسي ولكي يحظوا باحترام المجتمع.

ففي إيران، بنى الإسلاميون نظاماً إسلامياً تشاركياً قوياً، وفي فلسطين، أصبحت حركة حماس نشيطة ومتفاعلة، ولبت حاجات الفلسطينيين في الضفة الغربية وبشكل أوسع في غزة. وبذلك، فإن تاكيه وغفو سديف، وبناء على النموذجين في إيران وفلسطين، يعتبران قد فشلا في دعم وجهة نظرهما، وقدما تحليلاً يكشف عن بصيرة حسيرة عندهما.

ولما كانت الأصولية تبدو على أنها تعتبر نظرية موضوع نقد فإن هناك دائماً آراء مختلفة حولها. ويحاول البرفسور بسام الطيبي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة غوتنجن في ألمانيا، أن يحلل ويشرح الفرق بين روحانية الإسلام التي لا تشكل خطراً على النظام الدولي، والأصولية الإسلامية التي يعتبرها إجابة ورداً سياسياً على الهيمنة الغربية. وفي كتابه "تحدي الأصولية: الإسلام السياسي وفوضى العالم الجديد" (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2002)، يقول الطيبي: إن هناك ثورة أصولية، لا على السلطة السياسية الغربية وحسب، بل كذلك على ثقافة الغرب وعلى قيمه، فهي تتحدى المفهوم الغربي للنظام العالمي للدولة القومية، لأن الإسلام يرفض هذه الحدود ويعتبر نفسه القوة المنظمة المشروعة للعالم.

غير أن الطيبي يرى بأن الإسلام ينبغي أن يُفهم على نحو أفضل باعتباره قوة ثقافية ينبغي تشجيعها والإفادة منها، وليس خطراً يخشاه الآخرون. ويدعو هذا الكتاب القادة السياسيين والدينيين لتشجيع ورعاية التسامح الديني عند الديانات العالمية.

وعلى الرغم من العدد الكبير من الكتب التي وضعت، يرى النقاد بأن معظم هذه الكتب قد شوهته الرؤى الغربية السطحية للمفاهيم والقيم والمعتقدات الموجودة في الغرب، التي ليس من الضرورة أن يكون لها التأثير نفسه في العالم العربي أو العالم الإسلامي.

هناك من يقول إن الآراء حول الديمقراطية، والنظم السياسية، وحرية التعبير، وقضية القيادة، يجب صياغتها ضمن المفاهيم المحلية السائدة وعمليات الفكر المحلية. ولكن بغض النظر عن ذلك، فإن إحدى الأمور الملفتة للنظر التي تبدو غائبة عن أي كتاب حول السياسات الإسلامية والعلاقات الدولية، هي الوجوه القرينة للقرآن ومدركاته الحسية العقدية.

وهناك تقليل من أهمية الآراء حول نظم المجتمع، وقضية النظام، والعلاقات البينية، والعلاقات مع الآخر، بينما هناك تسليط للضوء من جانب عدد من الكتّاب، مثل برنارد لويس، على ما يسميه الآراء العدائية في الإسلام، مثل الحرب، وقضايا إخضاع غير المسلمين.

ولكن هذه الآراء تعتبر خارج السياق. إن السمات السلمية للإسلام، وموقفه من العدوان، ما لم يجرِ الاعتداء على المسلمين، والحاجة إلى معاملة أسرى الحرب معاملة طيبة، هي سمات لا يؤكد المؤلفون عليها كثيراً، وبالتالي لا يعرف القرّاء عنها ولا يهتم الغربيون المتخصصون بقضايا الشرق الأوسط بالاعتراف بها على وجه العموم.

ولكن كتباً معينة تسعى من وقت لآخر لإعادة قراءة الصورة فهناك مثلاً، كتاب غراهام فوللر، "مستقبل الإسلام السياسي" (ماكميلان، 2004). ويعتبر الأُسلوب السلس ميزة تجعل من هذا الكتاب مرجعاً جيداً لموضوع على قدر كبير من الأهمية للقارئ الغربي.

وهو يقول ببساطة شديدة: إن الإسلام هنا ليبقى، وهو يصلح كبديل واقعي للأنظمة القمعية في العالم الإسلامي، الأمر الذي يحتاج الغرب إلى الاعتياد عليه.

ويبتعد موللر عن الآراء المقولية التقليدية عن الإسلام التي تعود إلى القرون الوسطى، ويرسم صورة نضرةً عصرية للإسلام وهو يدخل القرن الحادي والعشرين. ويقول المؤلف، وهو من رجال وكالة المخابرات المركزية الأمريكية سابقاً: إن الإسلام ديانة قابلة للتكيّف، قادرة على العمل داخل المؤسسات الحديثة، سواء كانت ديمقراطية أو شبه ديمقراطية. وللإسلام قدرة فائقة على المشاركة في النظم الحديثة في العالم، وقبول مبادئ مثل الديمقراطية التعددية، ويمتاز بشموليته في العالم الحديث.

وهناك العديد العديد من الأفكار، والعديد من المعتقدات. ويرى الكثيرون بأن الإسلام ليس نظامَ معتقدات متماثلة، فهناك الكثير من الاتجاهات والحركات داخل الديانة، مما يشير إلى بنيته الثرية والطريقة التي يشارك فيها في البنى المعقدة في أنحاء العالم. وهو، على وجه الإجمال، ديانة داخل النظام العالمي، وليس بديانة تسعى للعمل من خارجه، أو حتى لتدميره.

 

إلى الأعلى